قانون النظام العام كأداة للعنف ضد النساء

الدراسات والبحوث Studies & Research

قانون النظام العام كأداة لاستخدام العنف ضد النساء

اعداد الاستاذ/ نبيل أديب عبدالله    المحامي

تمهيد

تهدف هذه الدراسة للبحث في صورة من صور إستخدام القانون لممارسة العنف ضد النساء والذى يمثل الجزء الأكثر تقيحاً من أنظمة التمييز ضد النساء التى ظل العالم يعاني منها منذ ان ظهر الإنسان على ظهر البسيطة وحتى الآن .فالتمييز ضد طائفة من الناس بسبب جنسهم أو لونهم أو معتقدهم هى مسألة تخالف قواعد الإنصاف السليم ولكن الأسوء من ذلك أنها فى الأغلب تؤدى لإستخدام العنف ضد الفئة المُميَّز ضدها وقد تميز القرن العشرين بتطور كبير في إتجاه منح النساء حقوق متساوية للرجال وإنهاء كافة أشكال التمييز القانوني ضدهن والذي يشكل العنف أكثر درجاته إيذاءً بالمرأة ولكن أيضاً شهدت نهايات القرن العشرين مايشير إلى ردة في هذا الصدد في شكل بروز التيارات السياسية المرتكزة على الدين والتي فسرت الأديان الثلاث الكبرى بشكل قاد ومازال يقود لخلق مبررات ليس فقط للإبقاء على مازال سائداً من بقايا أحكام التمييز ضد النساء وإستخدام العنف ضدهن بل أيضاً على إعادة العمل بما تم إلغاءه من أشكال التمييز.

أولاً :العنف القانونى وإستخدام القانون لممارسة العنف

العنف هو إيقاع الأذى بجسم شخص ما بغرض قهره والعنف القانونى هو إيقاع ذلك الأذى بحكم القانون أو بترخيص منه .العنف ضد النساء حسبما عرفه الإعلان العالمي بشأن القضاء على العنف ضد المرأة والصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23/فبراير/1994م هو ” For the purposes of this Declaration, the term “violence against women” means any act of gender-based violence that results in, or is likely to result in, physical, sexual or psychological harm or suffering to women, including threats of such acts, coercion or arbitrary deprivation of liberty, whether occurring in public or in private life” وهذا التعريف يشمل العنف الذى يتم عن طريق الدولة إذ ان إستخدام العنف أصلاً جريمة مالم ترخص الدولة لنفسها او لغيرها إرتكابه عن طريق القانون. والدولة لا ترخص لغيرها ذلك إلا إستثناءً ولأسباب تتصل بالمصلحة العامة ومثال ذلك حق الدفاع الشرعي عن النفس أو المال والذي يخول للأفراد في حالات معينة إستخدام العنف . بالنسبة للعنف ضد النساء فإن الدولة ترخص به لإعتبارات الرقابة داخل الأسرة مثل الترخيص بضرب الأطفال أو الزوجات وهى أمور مازال القانون السوداني يقبل بها رغم أنها لم تعد مقبولة في المستوى الدولي .

وحق الدولة في ممارسة العنف او الترخيص به ليس حقاً مطلقاً بل هو حق مقيد أولاً بالغرض منه فالدولة لم تُمنح حق إحتكار العنف القانوني إلا على سبيل الضرورة وفى الحدود التي يتطلبها حفظ النظام، لأن العيش المشترك بين الناس فرض منذ البداية الخضوع لقواعد تحفظ الحقوق الفردية للجميع مما يقتضي منع التعدي عليها من الآخرين من جهة ،ووضع حدود لممارسة تلك الحقوق نفسها من جهة أخرى . تطلبت هذه القيود وجود جزاء على مخالفتها والقدرة على إنفاذ ذلك الجزاء. ويجب أن نفرق بين إستخدام القانون لممارسة العنف وبين العنف القانونى فالعنف القانونى هو عنف تبرر الضرورة فرضه أو قبوله بواسطة القانون وكل عنف لا تفرضه الضرورة أو يجاوز ما تتطلبه يتحول إلى عنف غير مبرر بغض النظر عما يقوله القانون، فليس كل عنف يجيزه القانون هو عنف مبرر فالقانون الذى يرخص بالعنف فى غير ما تتطلبه ضرورة حماية الحقوق المشروعة هو قانون مخالف للأسس الدستورية لأنه ينتهك حقوق الأفراد ويظل العنف الذى رخص به على ذلك النحو عنفاً غير مبرر وبالتالى غير قانوني بالمعنى الواسع للكلمة فالقانون هنا يعنى القانون الموافق للدستور والذى يحترم حقوق الإنسان.لذلك فإننا نطلق على ذلك العنف تعبير العنف بواسطة القانون تمييزاً له عن تعبير العنف القانونى لأن العنف بواسطة القانون قد لا يكون عنفاً قانونياً بالمعنى الواسع للتعبير. العنف ضد النساء بمعنى العنف الذي يكون اساسه عصبية الجنس هو عنف غير قانوني في نظر هذه الدراسة وذلك بغض النظر عن موقف القانون وهذا هو المستوى الدولي الذي يجب ان نصبو إليه فالإعلان العالمي بشأن القضاء على العنف ضد المرأة يذكر في المادة الثانية فقرة (ج) منه أن العنف ضد المرأة يشمل العنف البدني والجنسي والنفسي الذي ترتكبه الدولة أو تتغاضى عنه أو حين يخلق القانون أو الدولة وضعاً يسهل إستخدام العنف أو غض الطرف عنه أينما وقع.

ثانياً : أشكال العنف ضد النساء بموجب القوانين السائدة

تشمل القوانين السائدة ترخيصاً بإستعمال العنف ضد النساء في عدد منها فقوانين الأحوال الشخصية مثلاً تمنح ترخيصاً بإستخدام العنف ضد النساء في حالات معينة ولكن هذه الدراسة تقتصر على أثر قانون النظام العام على ممارسة العنف ضد النساء وهذا لا يعني ان الدراسة ستقتصر على قانون النظام العام ولكن على مايتيحه ذلك القانون من ممارسة العنف ضد النساء بما خلقه من اجهزة وبما أوجده من ممارسات حتى فى الحالات التى يستند فيها الإتهام الذى يقوم على نشاط شرطة النظام العام (بمسمياته المختلفة) على قوانين أخرى.

الفصل الأول

الأرضية الذهنية والقانونية لقانون النظام العام

قانون النظام العام الحالى هو قانون ولائي صادر من المجلس التشريعي لولاية الخرطوم (قانون ولائي رقم (5) سنة 1996م ) وهو قانون صدر في أكتوبر من عام 1996 كإعادة إصدار لقانون النظام العام لعام 1992 وتم فيه إضافة بعض المخالفات التى كانت متناثرة فى أوامر محلية مختلفة وهو قانون قصد به المحافظة على القيم التى عيّن نظام الحكم نفسه حامياً لها فى عاصمة الدولة الرسالية التي كانت قائمة آنذاك والتي كانت تزعم أن لها مشروع حضاري يقوم على إعادة تشكيل الإنسان السوداني وفق أحكام الشريعة الإسلامية التي إحتكرت الدولة الحق في تفسيرها . وقانون 96 لا يختلف عن قانون 92 فى الذهنية والأهداف فكلاهما يقوم على الذهنية الأبوية الرسالية التى تخلط بين التجريم والتحريم و ينطلق من فكرتين رئيسيتين الأولى ضبط الشارع العام والثانية ضبط السلوك الخاص والقانون فى محاولته لضبط الشارع يقوم على ذهنية الكشة وفى محاولته لضبط السلوك الخاص يقوم على ذهنية الإسترابة فى الأنثى .

المبحث الأول

ذهنية الكشة

كلمة الكشة هى كلمة ظهرت مؤخراً في قاموس العامية لا نعلم لها أصلاً في اللغة تصف ممارسة أورثها لنا العهد المايوي .الكشة تتمثل في حملة تقوم بها الشرطة على منطقة أو مكان، وهذه الحملة ليس لها زمان معين ولا مكان معين، فهي تحدث صباحاً ومساءاً ، و قد يكون مسرحها أحد المنازل كما قد يكون شارعاً عاماً ، والغرض من هذه الحملة ضبط المخالفات والقبض على المخالفين . والأصل هو أن لا تكون هناك مثل هذه الحملات ،لأن التفتيش والقبض يتصل بمعلومة عن إرتكاب جريمة ينجم عنه أمر بقبض شخص أو ضبط شئ في مكان معلوم، ولكن هذه الحملات لا تقوم على نصوص قانونية معينة بقدر قيامها على ذهنية معينة خلقها وضع قانونى متكامل أساسه إتساع دائرة التجريم وفقدان المعقولية فى القوانين بحيث أصبحت ممارسة الناس لحياتهم العادية متضمنة بالضرورة لمخالفة ما لقانون ما ،وما على الشرطة إلا أن تجتاح أي مكان حتى ولو كان الشارع العام وتقبض على الموجودين فيه عشوائياً حتى تجدهم فى حالة تلبس بإرتكاب مخالفة للقانون. وهذه الذهنية ليست قاصرة على الأجهزة بل يشاطرها فيها المواطنون، فما أن تقف عربات الشرطة في مكان ما ويندفع من فيها خارجون في عجلة و حزم حتى تجد كل من فى الشارع بين مهرول وراكض يحاول الإختفاء دون أن يدرى سبباً لهربه. وتبدأ عمليات القبض لمختلف الأعمار والأجناس ومعهم أدوات الجريمة ، وهي في غالب الأمر كوانين لعمل شاي أو بعض الألبسة أو الساعات و كلها من الأشياء التي يستعملها الناس في كل مكان دون أن يرتبوا على أنفسهم أى مسئولية قانونية ، وتمتلئ العربات بالمقبوض عليهم بالجرم المشهود أما ما هو الجرم المشهود فلا سبيل لك لأن تعلمه فقد يكون مجرد عمرك فى كشة للبحث عن الهاربين من التجنيد أو سحنتك فى حملة لإفراغ العاصمة من النازحين .

وإتساع دائرة التجريم أفرخته الذهنية الأبوية الرسالية التى أنتجت قانون النظام العام وعندما ينفلت التجريم وتتوسع قاعدته بحيث لا يعلم الفرد على وجه التحديد ما هو الفعل الممنوع ، فإن ذلك يؤدي إلى خرق الدستور من عدة نواحى ، ولكن ذلك لا يقتصر على خرق النصوص الدستورية بل يتجاوزه لخلق ذهنية قبول ذلك الخرق وهذا هو ما توفره ذهنية الكشة التي تجعل الأسواق العامة ساحات صيد تمارس فيها الشرطة إصطياد المواطن. توسيع دائرة التجريم كان أساسه الخلط بين قواعد التحريم وقواعد التجريم وهذا ما يلزمنا بوقفة قصيرة عند ذلك الخلط.

المبحث الثانى

الخلط بين التحريم والتجريم

تخضع المجتمعات البشرية لقواعد تحكم سلوك الأفراد المكونين لها وهذه القواعد أساسها ثلاث دوائر مختلفة تحرم بعض الأفعال وتبيح ما عداها والدوائر الثلاث متشابكة يقتات بعضها على بعض و هي الأخلاق و الدين و القانون، وهذه الدوائر الثلاث قد تتحد في تحريم فعل كالقتل مثلاً أو السرقة وقد تختلف حين تحرم بعضها فعل لا تحرمه الأخرى كالحسد مثلاً الذى يظل محرماً أخلاقياً ودينياً رغم إباحته قانونياً .

تقوم الأخلاق على فكرتي الخير والشر والتى تختلف من ثقافة لأخرى ومن مجتمع لمجتمع ولكن في كل الأزمان و في كل المجتمعات لا بد أن تكون هناك مجموعة من الأفعال المحرمة أخلاقياً .

وتقوم فكرة التحريم الدينى أيضاً على الخير والشر ولكن أساسها النواهي االإلهية وليس الفلسفة الإخلاقية والتحريم الدينى أساسه الوحى ورغم إختلاف الأديان فإن الأفعال المحرمة فيها تكاد تكون واحدة .

والجزاء على مخالفة القاعدة الدينية هو جزاء يوقعه الله وبالتالي فإن دائرة التحريم واسعة وتشمل النوايا والمقاصد لأن الله يعلم ما في الصدور .

أما التجريم فتستقل به القاعدة القانونية و المشرع هو الذي يملك أن يجرم الفعل و هذا التجريم يعني إستخدام سلطة الدولة في العقاب لمنع الأفراد أو الهئيات من إرتكاب أفعال معينة وهذه الأسس المختلفة للتحريم تتداخل بعضها مع بعض فنجد كثير من الأفعال المحرمة أخلاقياً ودينياً هي مُجرّمة قانوناً مثل القتل والسرقة.

والخلاف بين أسس التجريم في القانون وبين أسس التحريم الأخلاقي والدينى يقوم على نوع الجزاء وعلى السلطة التي تشرع الأوامر والنواهي ففي حين يشرع القواعد الأخلاقية العقل الجمعى لمجموعة ثقافية معينة فى زمن معين فإن الوحي هو الذي يشرع الأوامر والنواهي الدينية ويتشابه الإثنان في قابلية تلك القواعد للقبول بدون مناقشة عقلانية وذلك لأنها جزء من التكوين الثقافى للخاضعين لها ،أما القانون فهو مسألة عقلانية بحتة لأنه صادر من سلطة أرضية قد لا يتفق الشخص مع أهدافها ومراميها لذلك فإن الشخص المعني قد لا يوافق على صحة القاعدة القانونية وقد يطالب بتغييرها .

وهذا الخلاف يقود بدوره لخلاف آخر وهو أن إستعداد الشخص لمخالفة القانون أكثر من إستعداده لمخالفة النواهي والأوامر الأخلاقية والدينية وذلك لأن كلا من الأوامر والنواهي الأخلاقية والدينية تُوجِد داخل الشخص أداةً للرقابة والمنع تمنعه من إتيان الأفعال المحرمة لأن التحريم صادر إما من التركيبة الخاصة بالشخص نفسه (الأخلاق) أو من أوامر إلاهية يحمل الشخص خشية مخالفتها داخل نفسه،أما القانون فإن السلطة التي شرعته هي سلطة خارج الشخص وهذا يقود لخلاف آخر هو أن العقاب على مخالفة القانون يستلزم إكتشاف وقوع الفعل المُجرّم لذلك فإن كثير من السائقين يقومون بكسر الإشارة الحمراء عندما لا يكون هناك شرطي بإعتبار أنهم لن يُكتَشفوا ويكثر هذا بالنسبة للجرائم التي لا ضحايا لها Victimless Climes مثل مخالفة قواعد النقد الأجنبي مثلاً .

رغم أن التجريم هو أمر تستقل به السلطة التشريعية إلا أنها لا تقوم بذلك من فراغ فهي مكونة من أفراد يحملون العقلية الجمعية للثقافة التي يتبعونها بما يجعلهم متأثرين بالأحكام الأخلاقية والدينية ولكن الخلافات بين سلطة الدولة والسلطة الإلهية يجب أن تكون واضحة أمامهم حين يشرعون ويجرمون والفرق بين الهدف من التجريم القانوني .الهدف من التحريم الأخلاقي والديني هو ترقية الشخص المخاطب في حين أن الغرض من التجريم هو حماية مصلحة عامة للمجتمع يشكل التهديد بالعقاب أنجع الوسائل لحمايتها وهذا معيار التفرقة بين الخطأ المدنى والجريمة فالخطأ المدنى هو فعل يقتصر ضرره على المصلحة الفردية وبالتالي فإن الدولة لا تستخدم سلطة العقاب لمنعه ولكنها تتيح للمضرور التعويض عن ما سببه الفعل من ضرر .

إذاً فأساس التجريم هو المصلحة العامة وبعض هذه المصالح قد تكون وقتية وليس لها صله بالأخلاق وأحياناً قد تكون متوهمة عند المشرع ومن ذلك ما توهمته الإنقاذ في أول أيامها من أن منع تداول النقد الأجنبي خارج المصارف مضر بالمصالح الإقتصادية للدولة فقامت بتجريم ذلك الفعل وجعلته موجباً لأشد أنواع العقاب وهو الإعدام وتم بموجب ذلك القانون إعدام ثلاثة أشخاص وقد أصبح الآن هذا الفعل مباحاً لاعقاب عليه إذا فأساس التحريم هو رغبة المشرع في حماية مصلحة عامة معينة ويتوسل إلى ذلك بالتهديد بالعقاب الجنائي على الأفعال التي يعتقد أنها تضر بتلك المصلحة . ولكن المشرع إذ يفعل ذلك لابد أن يراعي أن لا يجرم سوى الأفعال التي من شأنها الإضرار بمصلحة واضحة للنظام الإجتماعى فهناك كثير من الأعمال غير الأخلاقية والمستهجنة ولكن العقاب عليها ليس أنجع الوسائل لمحاربتها خاصةً تلك التي تصيب المصالح العامة بدرجة يسيرة من الضرر وفي الموازنة بين واجب الدولة في حماية حريات الناس وبين مصلحة أفراد المجتمع ككل في أن يعيشوا في أمان يجد المشرع أن المصلحة ستحقق أكثر بعدم التجريم ومن ذلك مثلاً الضرر الذي يسببه التدخين في الأماكن الخاصة للمدخن نفسه ولغيره من المتواجدين في تلك الأماكن وفي هذه الحالة رغم ما في هذا الفعل من أذى للصحة العامة فإن المشرع لا يتدخل ويترك لأجهزة الإعلام والتوعية الصحية مجابهة هذه المسألة . كذلك فإن القانون فى أغلب الأحيان لا يكتشف الجرائم التي لا ضحايا فيها إلا عن طريق خرق الخصوصية وهو أمر أكثر ضرراً من الجريمة نفسها، لذلك فإنه طالما أن الفعل لا يعتدى على حق عام وليس هناك متضرر عنه فإن تركه خارج دائرة العقاب أفضل . و الأفعال التي تقع خفية بين أشخاص بالغين راضين عما يفعلون وعما يُفعَل من معهم مهما بلغت درجة مفارقتها للأخلاق هى جرائم بدون ضحايا ما لم يتجاوز ضررها الجناة أنفسهم إلى غيرهم .وحتى فى هذه الحالة الأخيرة فلا يجوز السماح لأجهزة ضبط الجريمة وهى بصدد ضبطها أن تخرق خصوصية الأفراد وحرمات المنازل لأن ضرر ذلك يفوق النفع الذى قد ينتج من كشف الجريمة إذ ينتج عن ترك تقدير الوسائل لقوات الضبط نفسها عادة أضرار لمواطنين لم يرتكبوا أي جرائم وفيه ترويع لمجتمع آمن لما يتولد عند تلك الأجهزة من إستهانة بحرمات المنازل والأشخاص.

وقد تسلل إلى القانون الجنائي وبعض القوانين العقابية الأخرى في السنوات الأخيرة تجريم بعض الأفعال التي يستحسن أن يترك أمرها لمعالجات خارج إطار القانون مثل قواعد السلوك المتصلة باللبس وغيرها لأنها مسائل لا تحل بواسطة إستعمال سلطة الدولة وإنما يحسن تركها للوعظ الدينى ولحسن التربية إذ أن التجريم وما يقود إليه من محاكمة وعقوبة قد تكون أضراره بما يحمله من تشهير أكثر من أضرار الفعل نفسه .

من جهة أخرى فإن ذلك الإتساع الغير عقلانى لا بد أن يؤدى للتعالى على المواطن وعلى الإستهانة بحقوقه وقد إنعكس ذلك على القوانين التى تنظم سلطة رجال الضبط .

المبحث الثالث

ذهنية الإسترابة فى الأنثى

إقتصرت المعالجات الأخلاقية التى أدخلتها القوانين مؤخراً على محاولة مطاردة النساء لإبقائهن خارج النشاط الإجتماعى بفهم أن المرأة هى الشيطان الذى يغوى الرجل ويقوده للرذيلة. ونجم عن ذلك تعامل مع حالة الأنوثه بإعتبارها شر لابد منه، وكادت الأنوثة أن تصبح جريمة أو على الأقل شروع فى جريمة لأنها وفقاً لتلك الذهنية مصدراً لخطورة كامنة يجب حفظها في أضيق نطاق لإستحالة التخلص منها ،وكان السبيل لذلك تبنى أحكاماً غامضة لا تحمل معان محددة بغرض مطاردة النساء لإبعادهن لخارج الحياة الإجتماعية، فعاقب القانون على التزى بزي فاضح في الماده (152) من القانون الجنائي دون أن يحدد أي معايير لذلك الزي الفاضح، ومنع إجتماع الرجال بالنساء الذين لا تقوم بينهم علاقات زوجيه أو قربى في ظروف ترجح معها حدوث ممارسات جنسيه في الماده (154) وهو حكم غامض قد يتوفر في أي مركبة عامة.وهكذا منح القانون للشرطة والمحاكم سلطه تجريم وعقاب ما تراه في مطلق تقديرها يستوجب ذلك في سلوك النساء، فأصبح جلد الفتيات والنساء خبر عادي تقرأه في الصحيفة كما تقرأ أخبار زيارات المسئولين دون أن يحرك في نفسك شيئاً، وقد تم إستهداف النساء في ولاية الخرطوم عن طريق قانون النظام العام فحددت لهن مداخل خاصة في المواصلات العامة ومقاعد محددة لتوفير مزيد من الفرص لتعريضهن للعقاب، وهكذا أصبح خطر الملاحقة القضائية ماثل في أي نشاط تقوم به النساء خارج منازلهن .

إستهداف بائعات الشاي والذى ترك للتشريعات المحلية لتنظيمه هو جزء من الحملة ضد الأنوثه ، فليس هنالك ما يميز بائعات الشاي عن غيرهن من الباعة خارج المحلات التجارية سوى أنوثتهن. وهى إسترابة مرضية وغير منطقية ولا مبررة تركزت هذه المرة على بائعات الشاي بغرض حسبما يذكر الرسميون إلغاء هذه المهنه تماماً ،فما هو السبب فى ذلك؟.

بائعة الشاي تقدم خدمة لا غنى لها للفقراء الذين لا يستطيعون تناول الشاي في الكافتريات أثناء ساعات العمل أو عند طلبهم لخدمة في المصالح الحكومية .وهذه المهنة ليس فيها ما يخدش الحياء أو ما يخالف التقاليد كما وأنها مهنة لا تحتاج لتدريب خاص خارج الحياة العادية للنساء مما يسهل معه أن تقوم بها النساء البسيطات اللائي لا توفر لهن الحياة رفاهية البقاء في بيوتهن بدون عمل. أما لماذا بائعات الشاى وليست بائعات الكسرة مثلاً فالسبب فى ذلك هو أن تناول الشاي يتطلب بعض الوقت وهذا الوقت هو الذي جعل من هذه المهنه خطراً وفق الذهنية السائدة ففي حين تنتهي العلاقة ببائعة الكسرة في لحظات يستغرق تناول الشاي زمناً تستشعر فيه ذهنية الإسترابة في الأنوثة إمكانية وقوع خطأ ما لذلك فقد شمرت هذه الذهنية عن ساعدها للقضاء على مهنه ست الشاي .

الفصل الثانى

اقانون النظام العام لعام 96

المبحث الأول

النصوص والعقوبات

قانون النظام العام هو قانون عقابى لتجريم أفعال معينة والعقاب عليها يستند على الأرضية التى شرحناها وقد توسع فى التجريم للحد الذى جعل الأجهزة المنفذة والمطبقة لذلك القانون تمثل الخطورة الأكبر فى نظر الناس على حرياتهم الشخصية ،وقد عانى منه بشكل محدد الأقسام الأضعف من المجتمع ومن ضمنهم النساء اللاتى عانين من القانون ومن الأجهزة التى تنفذه وتطبقه مما يجعله يحتل موقع القلب بالنسبة للقوانين التى تتيح ممارسة العنف ضد النساء . الجرائم التي شملها القانون هي المخالفات المتعلقة بالحفلات الغنائية وضوابط إستخدام المركبات العامة وحظر ممارسة التسول والتشرد والمخالفات المتعلقة باماكن تصفيف الشعر واحكام متنوعة .هذه الطوائف من الجرائم فيما عدا ممارسة التسول والتشرد تقتصر على احكام متعلقة بالنساء كلياً أو جزئياً أي ان القانون يضع أهمية خاصة في مجمله لحالة الأنوثة فالقانون في أغلب احكامه يهدف لخلق حجر صحى لايجوز للأنوثة تجاوزه وسننظر لبعض تلك الاحكام فى موضع آخر من هذه الدراسة .

لم يحدد القانون عقوبة لكل جريمة بل منح القاضى سلطة إختيار عقوبة أو أكثر من العقوبات الآتية :-

أ/ السجن بما لايزيد عن خمس سنوات .

ب/ الغرامة .

ج/ العقوبتين معا.

د/الجلد.

هـ/ مصادرة الاموال المستخدمة في المخالفة .

و/ سحب الترخيص أو التصديق على حسب الأحوال أو إغلاق المحل لفترة لا تزيد عن سنتين .

وهذه العقوبات جميعاً بالنظر لما صاحب التشريع المؤثم للأفعال المعاقب عليها بهذه العقوبات من مخالفات دستورية تعتبر إستخداماً للقانون فى ممارسة العنف ضد النساء.

المبحث الثانى

الترسانة القانونية المصاحبة

لا يشكل قانون النظام العام خطورة على النساء والأقسام الأضعف من المجتمع فقط بسبب ما يحمله من نصوص ولكن أيضاً وعلى وجه الخصوص بسبب الأجهزة المنفذة له والتى لا يقتصر إختصاصها فقط على أحكامه ولكنه يشمل أيضاً عدد من المواد الموجودة فى القانون الجنائى والتى تعنى بضبط الأخلاق العامة .وأجهزة تنفيذ كل ذلك تتكون من قسم خاص من الشرطة يتبع نيابة متخصصة وتتم المحاكمة أمام محاكم خاصة.

الفرع الأول

الأجهزة العدلية

تم تكوين القسم الخاص من الشرطة لضبط الجرائم المتصلة بالأخلاق تحت مسميات مختلفة أكثرها شهرة إسم شرطة النظام العام ورغم أنها أعيد تسميتها لتصبح شرطة أمن المجتمع فهى ما زالت معروفة لدى العامة بإسمها الأول ، وهى شرطة مكلفة بحماية الأخلاق العامة أشبه بشرطة الآداب التى عرفها القاتون المصرى والإيرانى وقونين أخرى بالمنطقة ،وهى تجارب أثبتت تماماً أن للشرطة مهام أهم بكثير من مراقبة أطوال تنانير النساء، وأن السلطات الممنوحة لهم عرضة لسوء الإستغلال ولممارسات يفوق إنتهاكها للأخلاق ما ينسب للمخالفات التى يتم ضبطها بواسطتهم، أضف إلى ذلك ما ينجم من أضرار من جراء التدخل فى خصوصية الأفراد وحرياتهم الشخصية. كما وتم تكوين محاكم أيضاً حملت مسميات مختلفة بدأت بمحاكم الطوارئ فى آخر العهد المايوى عندما أعلن نميرى ما أسماه بمحاكم العدالة الناجزة وعُرِفت لدى أهل القانون بمحاكم العدالة العاجزة والتى أعيد تشكيلها بعد إسقاط الديمقراطية فى 1989 بأسماء مختلفة. إشتهرت تلك المحاكم أيضاً بإسم محاكم النظام العام وإن كانت لا تحمل هذا الإسم رسمياً. تم تكوين المحاكم الحالية التى تطبق النظام العام بموجب أوامر تشكيل اصدرها رئيس القضاء فى عام 1995 كون بها عدد من المحاكم فى العاصمة تختص هذه المحاكم بنظر المخالفات المبينة في الجدول المرفق بأمر تشكيلها وأي قضايا أخرى يحيلها لها رئيس الجهاز القضائي وكانت الجداول آنذاك تتضمن القوانين التالية

أولاً:- القوانين العامة

بلاغات السكر والخمور بانواعها .

بلاغات الرزيلة وأوكار الدعارة .

بلاغات قانون الأجر والأسعار لسنة 1955م

بلاغات قانون المكائيل والموازين لسنة 1955م .

قانون المصنفات الأدبية والفنية لسنة 1994م

قانون المصنفات الادبية والفنية لسنة 1994م.

قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1994م

قانون الغابات

قوانين التهريب والجمارك

ثانياً القوانين والاوامر المحلية :-

القوانين الخاصة بالصحة العامة وصحة البيئة .

القوانين الخاصة بالمباني .

القوانين المحلية الخاصة بالمواد البترولية ومشتقاتها .

القوانين المحلية المتعلقة بدقيق المخابز ومشتقاته

قانون العوائد لسنة 1992م

قانون رخص التجار لولاية الخرطوم لسنة 1994م.

القوانين المحلية الخاصة بتنظيم العمل في الأسواق المركزية وأسواق التجزئة .

قانون التشجير لسنة 1993م.

بلاغات التعدي والإتلاف الخاص بالمؤسسات والمشاريع الزراعية .

القوانين الخاصة بتنظيم عمل البصات السفرية.

القوانين الخاصة بالرقابة على المركبات العامة .

قانون النظام العام لسنة 1992.

قانون مهنة تصفيف الشعر (الكوافير) 1404هـ.

القوانين والأوامر الصادرة من السلطات المحلية والوزارية .

وهى قوانين فى مجملها تهدف لضبط الشارع والسلوك الشخصى للأفراد وجباية الأموال للدولة وإن كانت هذه القوانين الأخيرة قد تم إفراد محاكم خاصة لها بعد ذلك وإقتصرت المحاكم المعروفة بإسم محاكم النظام العام على قانون النظام العام والمواد المتصلة بالخمر والأخلاق فى القانون الجنائى.

وتنظر محاكم النظام العام هذه الدعاوى فى محاكمات إيجازية لا توفر حق الدفاع عن النفس وهو نظام للمحاكمة مأخوذ عن القوانين العسكرية والتى هى مصدر قانون الإجراءات الجنائية ويتميز بسرعة فى الإجراءات بشكل لا يتيح للمتهم تحضير دفاعه ولا تلزم القاضى بتسجيل محضر مكتمل بل تكتفى بإلزامه بتدوين ملخص أقوال الشهود ولا يعرف هذا النظام مسألة توجيه تهمة بحيث يدخل المتهم فى دفاعه دون أن يعرف على وجه التحديد الإتهام الموجه له.

تقوم هذه الأجهزة من شرطة ووكالة نيابة ومحاكم بضبط تلك الجرائم والتحرى فيها ومحاكمتها فى ما لايجاوز الأربعة وعشرين ساعة وهكذا أصبحت العدالة تناقس محلات الأكل السريع فى سرعة الخدمة فيتم القبض على المتهمين عادة بالليل ويظلون في حراسة الشرطة حتى صباح اليوم التالى، حيث تتم إحالتهم للمحكمة التي تحاكمهم إيجازياً وتحكم عليهم في جلسة لا تستغرق سوى دقائق معدودة وعادة تكون الأحكام بالجلد والغرامة، ولا ينبه أي من المتهمين إلى حقهم في الإستعانة بمحامي لا من الشرطة ولا من النيابة ولا من القاضي ولا تكفل لهم الإجراءات الإيجازية أي حق فى الدفاع عن أنفسهم وتتم محكامتهم وتنفيذ الأحكام التى توقع عليهم وهى فى العادة عقوبات بدنية قبل أن يتبينو جريمتهم .بالنسبة للنساء في هذا المجتمع المحافظ فإن مجرد افشاء معلومة عن القبض عليهن في مسالة تتصل بالأخلاق قد تؤدي إلى آثار بعيدة بالنسبة لوضعهن الإجتماعي وفرصهن في الزواج أو الطلاق حسب وضع الضحية المعنية لذلك فهن على إستعداد لتلقي الجلدات على أجسادهن والخروج في صمت و بدون إحتجاج ومحاولة نسيان ماتم لهن .

الفرع الثانى

النصوص المصاحبة

فى إطار الفهم المغلوط القائم على المحافظة على الأخلاق العامة بالقانون تضمن القانون الجنائى عدد من المواد المتصلة بالممارسات المخالفة للآداب العامة والمتصلة بالجنس تضمنها الباب الخامس عشر وقد غض ذلك الباب النظر بطريقة فجة عن بعض مظاهر العنف ضد النساء فلم يعاقب على إغتصاب الزوجة بواسطة زوجها ولم يشدد العقاب بشكل كاف فى الأفعال الفاحشة إذا إرتكبت بغير رضا المجنى عليه وجعل عقوبة الإغتصاب أقل من عقوبة زنا المحصن وكل ذلك يدخل فى باب غض الطرف عن ممارسة العنف ضد النساء ولكن المسألة لم تقف عند ذلك الحد فقد وضع القانون أرضية لممارسات تميز ضد النساء وسنأخذ أحكام المادة 152 بالزى الفاضح نموذجاً لخلق أرضية للتمييز لأنها ظلت تشكل جزءً مقدراً من عمل محاكم النظام العام وتم جلد عشرات الألوف من النساء بمقتضى أحكامها.

الزى الفاضح وفقاُ لأحكام القانون الجنائي

تنص المادة 152 من القانون الجنائي على مايلي:-. – (1) من ياتي فى مكان عام فعلا او سلوكا فاضحا او مخلا بالآداب العامة او يتزيا بزي فاضح او مخل بالآداب العامة يسبب مضايقة للشعور العام يعاقب بالجلد بما لا يجاوز اربعين جلدة او بالغرامة او بالعقوبتين معاً .

(2) يعد الفعل مخلا بالآداب العامة اذا كان ذلك فى معيار الدين الذي يعتنقه الفاعل او عرف البلد الذي يقع فيه الفعل .

لا شك أن اللغة التى إستخدمتها المادة لتجريم التزى بزى فاضح هى لغة فضفافة عصية على التحديد مما يصعب معه التوصل لمعنى يمكن للجميع تبينه. فما أراه أنا زياً غير محتشم قد يراه شخص آخر غاية في الحشمة ،أو أنه حتى يفتقد مايلفت الإنتباه بشكل مخل بالذوق الجمالى .فى محاولة لتوضيح ما تعنيه المادة بالزي الفاضح أو المخل بالآداب العامة جاءت الفقرة الثانية منها بمعيارين الأول ان يكون مخلا بالآداب العامة في معيار الدين الذي يعتنقه الفاعل والثاني هو أن يكون كذلك في عرف البلد الذي يقع عليه الفعل و من شأن أياً من هذين المعيارين فى الواقع أن يضيف لغموض المادة بدلاً عن يوضح مقاصدها.

دين الفاعل

بالنسبة لمعيار الدين فمن المعلوم أن كل الأديان تدعو للإحتشام، ولكن مفهوم الإحتشام هو مفهوم متغير من حيث الزمان والمكان ولايعرف أى دين زى موحد(يونيفورم) يرتديه معتنقيه ولا نستثنى الدين الإسلامي من ذلك فبغض النظر عن أى جدل فقهي في الموضوع فالواضح أن الأزياء التي ترتديها النساء المسلمات تختلف بإختلاف فهمهن لتعاليم دينهن و بإختلاف اذواقهن،وعرف البلاد التي نشأن فيها.وها نحن نرى أزياء مختلفة ترتديها نساءً مسلمات لا يوجد سبب للطعن في دينهن .إذن مسألة الزى هذه بالنسبة للدين هى مسألة خلافية لا يجوز أن يُترك الفصل فيها للشرطة أو للقاضي فليس أياً منهما مختص بتحديد أحكام الأديان المختلفة الموجودة فى هذا البلد، وإنما هى مسالة تخص المتدين شخصياً والذي يحدد لنفسه مايفهمه من أوامر دينه في المسائل المختلف عليها ،ولا يجوز للقاضي أن ينصب من نفسه ممثلاً لله في الأرض يقرر ان هذا الزي مخالف للدين او متوافق معه .أضف إلى ذلك أن القاضي الذي يحكم في المسألة قد يكون مختلف فى الدين عن المتهم فمن أين له ان يقرر للمتهم أن دينه يعتبر هذا الزى أو ذاك زياً فاضحاً أو مناسباً؟!. وحتى لو قلنا أن عليه أن يقرر فى المسألة بعد سماع رأي المختصين من فقهاء الدين المعنى،فمن أين له ان يغلب رأياً على رأي في مسالة تتعلق بدين قد لا يكون هو نفسه مؤمن به؟ بل وما هى أهمية إقتناع القاضى برأى الفقيه أو الخبير ؟وهل يعتبر قرار القاضى فى هذه المسألة ملزماً لمعتنقى الدين الذى حدد لهم الزى المناسب على ذلك النحو؟ وهل سنحول القضاء إلى بيت للأزياء يحدد للأمة زياً موحداً لترتديه؟!.

عرف البلد الذى وقع فيه الفعل

وماقلناه عن الدين لا يختلف عن عرف البلد فمن يملك سلطة تحديد مايقبله عرف البلد وما يرفضه خاصةً وأن العرف فيما يتعلق بالملابس يتغير بتغير الأفهام والثقافة السائدة . ومن الذى يحدد عرف العاصمة مثلاً وهى تضم مجموعات من كل أهل السودان و يقول الدستور عنها فى المادة 152 تكون الخرطوم العاصمة القومية لجمهورية السودان, وتكون رمزاً للوحدة الوطنية وتعكس التنوع في البلاد.ويقول عن السودان كله أنه وطن متعدد الأعراف والأديان؟ ماذا يريد القانون من كل ذلك؟ما يجب أن يسعى إليه القانون هو منع الإخلال بالسلام العام عن طريق التعرى وليس الدخول فى تفاصيل الأزياء.لذلك فإن المسألة كلها يجب ان تقف عند الحد الأدنى الذى لا يجوز إبرازه من الجسم البشرى وهو العورة التى يؤذى إبرازها المشاعر العامة للجميع .هذا ما يتوجب فرض ستره بالقانون أما ما خلا ذلك فهي مسألة متروكة للأسر والقيادات الدينية لأنها مسألة تتصل بالتربية والتنشئة وليس بالقانون .

الفصل االثالث

الخصائص العامة لقانون النظام العام والنصوص المصاحبة

المبحث الأول

غموض النصوص القانونية

يكون القانون غامضاً عندما يجعل الأشخاص ذوى الذكاء العادى يخمنون المعنى المقصود ويختلفون حوله (الولايات المتحدة ضد ونش) والعبارات التى إستخدمها قانون النظام العام عبارات لا يستطيع القارئ إلا أن يخمن معناها ومن ذلك المادة 7 (1) د والتي تعاقب على الأغاني الهابطة فما هو المعيار الذى يمكن التوصل بموجبه لأن أغنية ما هى أغنية هابطة ؟ والمادة 8 من القانون والتي تمنع تقديم عرض سينمائي أو مسرحي او معرض أو غيره أو الإستمرار فيه خلال الفترة من الساعة الثانية عشر ظهراً وحتى الساعة الثانية من ظهر الجمعة وكلمة او غيره الواردة في النص لا تحمل معنىً محدداً وتنطبق على أي نشاط آخر مما يجعل الفعل المجرم غير محدد كذلك المادة 9 (1) ج والتي تنص على عدم جواز إلصاق صور أو رسومات تتنافي مع العقيدة أوالآداب أو الأخلاق أو الذوق العام فتعبير الذوق العام لا تتوصل لمعناه إلا عن طريق التخمين.

المبحث الثانى

القانون الغامض والدستور

القانون الغامص يخالف الدستور من أوجه ثلاث :الأول أنه يؤدى إلى معاقبة الناس على أفعال لم يكن في وسعهم معرفة عدم مشروعيتها وقت إرتكابها ،والثاني أنه يؤدى إلى تسلل المعايير غير الموضوعية لتطبيق القانون وهذه المعايير من شأنها أن تقود إلى تطبيق تحكمي وتمييزي بواسطة منفذي القانون، والثالث أنه يؤدى إلى أن يمنع المواطن نفسه من ممارسة حرياته الأساسية بسبب الأثر الذي يحدثه غموض القانون لدى المواطن والمعروف فى فقه القانون الأمريكى بال CHILLING EFFECT والذي يؤدي لإمتناع الشخص عن ممارسة حرياته الأساسية خوفاً من أن يكون في ذلك خرقاً لقانون لا يعرف المواطن النشاط الذى يمنعه ذلك القانون على وجه التحديد.

الفرع الأول

التدخل في ممارسة الناس لحرياتهم

حتى تحمى المحاكم فى أمريكا حقوق الناس الدستورية أصبحت تتشدد فى تتطلب الوضوح عندما يتصل الأمر بعقوبة جنائية أو بالتدخل في ممارسة الناس لحرياتهم الأساسية ولذلك فقد حكم في HUMANITATARIAN LAW PROJECT v. ASHCROFT وهى دعوى أقامتها جمعية ضد منع القانون تقديم معونة او نصيحة خبرة expert advice or assistance للمنظمات التى يعلن وزير العدل أنها منظمات إرهابية رأت المحكمة أن التعبيرالمستخدم في قانون الوطنية الأمريكي USA Patriotic ACT تعبير غامض بدرجة لا تسمح للشخص العادى أن يتبين الأنشطة الممنوعة على وجه التحديد مما يجعل المادة المعنية غير دستورية .

في دعوى COATES ET ALV . CITY OF CINCINNATI والتي أدين فيها المتهمون بمخالفة قانون ينص على تجريم تجمع أي ثلاثة أشخاص أو أكثر في طريق جانبي عندما يكون سلوكاً يضايق يزعج annoy المارة قررت محكمة الموضوع أن كلمة annoy هي كلمة مستخدمة بكثرة ،وهي تعني ان تزعج أو تعرقل أو تستفز المارة وهي لذلك واضحة المعنى لأن معنى الكلمة لا يتصل بمدى حساسية كل شاكي على حدة .ولكن المحكمة العليا رفضت ذلك وتساءلت إن لم يكن تفسير الكلمة يتصل بحساسية الشاكى فعلى حساسية من يعتمد؟ على حساسية الشرطي ؟ ام القاضي ؟ وذكرت أن السلوك الذي يزعج بعض الناس لا يزعج الآخرين ولذلك فإن القانون غامض ليس لأنه لا يحدد طائفة من الناس يزعجهم ذلك السلوك ،بل لأنه لا يحدد السلوك المُجَرّم على الإطلاق وبالتالي فإن الناس ذوي الذكاء العادي يتوجب عليهم ان يخمنوا المعنى المراد من ذلك وهذا مخالف للدستور، فللقانون ان يجرم أفعال محددة ولكن ليس له ان يضع معيار للتجريم يعتمد على ما إذا كان رجل الشرطة قد إنزعج من الفعل ام لم ينزعج لما يؤدى إليه ذلك من منع للناس من ممارسة نشاطات تدخل ضمن حرياتهم الأساسية خوفاً من التعرض لمساءلة قانونية .

وفى دعوى باباخريستو ضد مدينة جاكسونفيل، والتى تتلخص وقائعها فى أن شابين من السود كان يجوسان بعربة دون أن يقصدا مكاناً بعينه وفى صحبتهما فتاتين من البيض، حين تم القبض عليهم بتهمة التجول بعربة بدون غرض مشروع، وهى جريمة وفقاً لقانون التشرد في مدينة جاكسونفيل. قررت المحكمة العليا أن القانون بأسره غير دستورى، ورأت أن اللغة الفضفاضة تؤدى لمنح سلطة التشريع للقاضى أو الشرطة وذلك يتنافى مع حكم القانون، و ذكرت أن القانون مأخوذ من القانون الإنجليزى القديم وقت تحول الإقطاع للرأسمالية في القرون الوسطى ،حيث كانت الحاجة لدفع القوى العاملة الفقيرة للإستقرار في مكان واحد قد أدت لتجريم أشياء لم تعد المجتمعات الحديثة ترى فيها ما يدعو للتجريم، فالقانون يعاقب على إعتياد السير ليلاً وذلك في نظر المحكمة عملاً مشروعاً قد يقوم به من يعانون من الأرق ليتمكنوا من النوم ،والقانون يجرم العيش على نفقة الزوجة أو الأطفال لمن هو قادر على العمل،و هذا قد يؤدي لمعاقبة العاطلين بسبب أزمة إقتصادية. وقد لاحظت المحكمة أن القانون يعطي الشرطة سلطة للقبض على كل الذين يسلكون سلوكاً مريباً، أى أن القانون يتطلب من الناس أن يسلكوا في حياتهم المسلك المقبول للشرطة والمحاكم ،وهو أمر غير دستوري إذ ينتج عنه إدانة أشخاص بناءً على تعابير غامضة وغير منضبطة تفسرها المحاكم بالطريقة التي تروق لها، وذكرت المحكمة أن إفتراض أن محاكمة من تبدو طريقة ممارستهم لحياتهم مدعاة للتهمة في عين الشرطة أو المحاكم لا يتفق مع الدستور الذي يتطلب أن تكون الأفعال المجرمة واضحة .

PAPACHRISTOU v. CITY OF JACKSONVILLE, U.S. Supreme Court 405 U.S. 15 (1972) 405 U.S. 156

الفرع الثانى

الإخلال بالحق في المحاكمة العادلة

اللغة التي تحمل أكثر من معنى لا تصلح لتعريف الجرائم لما في ذلك من إخلال بالحق في المحاكمة العادلة وفقاً للدستورفالمادة (34) فقرة (4) تنص على أنه ( لا يجوز توجيه الاتهام ضد أي شخص بسبب فعل أو امتناع عن فعل ما لم يشكل ذلك الفعل أو الامتناع جريمة عند وقوعه.) والمادة 15 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية والتى تنص على أنه ” لا يدان أي فرد بأية جريمة بسبب فعل أو امتناع عن فعل لم يكن وقت ارتكابه يشكل جريمة بمقتضى القانون الوطني أو الدولي. “والمادة 11 (2 ) من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان” لا يدان أي شخص من جراء أداة عمل أو الامتناع عن أداة عمل إلا إذا كان ذلك يعتبر جرماً وفقاً للقانون الوطني أو الدولي وقت الارتكاب، كذلك لا توقع عليه عقوبة أشد من تلك التي كان يجوز توقيعها وقت ارتكاب الجريمة.” وهذه النصوص لا تتطلب وجود قانون يُجرِّم الفعل فحسب، بل تتطلب علم المتهم بأن ما يقوم به هو فعل مُجرَّم ،وذلك لا يتحقق بمجرد وجود قانون إذا كان ذلك القانون حمال أوجه لا يعلم المتهم مسبقاً أى وجه منهم سيأخذ به القاضى ،بل لابد من ان تكون المعاني التي تفهم من لغة القانون واضحة للمتهم وقت إتيانه الفعل المعاقب عليه لذلك ففي دعوى بالمر ضد مدينة يوكليد Palmer v. City of Euclid, 402 U.S. 544 (1971) حين أدين بالمر بموجب قانون الشخص المشبوه ـ وهو قانون خاص بالمدينة المدعى عليهاـ والذى يدين الشخص الذي يتواجد فى ساعات غير معهودة أو متأخرة فى الطريق العام دون أن يكون ذلك بسبب قيامه بعمل مشروع، ولا يستطيع أن يعطى سببا لتواجده في ذلك الوقت في الطريق العام. كان بالمر وقت القبض عليه قد أنزل فتاة من عربته في وقت متأخر من الليل قبل ان يبدأ في الحديث في جهاز إرسال لاسلكي. عند القبض عليه لم يكن بالمر يعرف إسم الفتاة ولا إلى أين كانت ذاهبة ،كما وأنه أعطى ثلاث عناوين مختلفة لنفسه فتمت إدانته بموجب القانون المذكور وتأيدت الإدانة حتى وصل الأمر للمحكمة العليا، فقضت بأن القانون غامض بدرجة تجعله مخالف للدستور لأنه يفشل في أن يعطي شخص ذو ذكاء عادي اخطار مناسب بان ما يرغب في ارتكابه يخرق القانون .المعيار الذي وضعته المحكمة الأمريكية في العديد من الدعاوى هو أنه إذا كان الشخص ذو ذكاء معتاد ولا يستطيع أن يتبين على وجه الدقة ماهية النشاط الذي يجرمه القانون او العقوبة التي يمكن توقيعها عليه وفقاً للقانون المعني فإن القانون يجب إعتباره غير دستوري بسبب غموضه

المبحث الثالث

الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون

التمييز الذى يخل بمبدأ المساواة أمام القانون هو التمييز الذى نهت عنه المادة (31) من الدستور حين نصت على مايلي :-

(الناس سواسية أمام القانون ، ولهم الحق في التمتع بحماية القانون دون تمييز بينهم بسبب العنصر أول اللون أو الجنس أو اللغة أو العقيدة الدينية أو الرأي السياسي أو الأصل العرقي )

والمادة 2 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية والتى تنص على

تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.
2. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد، إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل فعلا إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد، بأن تتخذ، طبقا لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد، ما يكون ضروريا لهذا الإعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية

والمادة 2 من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والتى تنص على

“لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. “.

الفرع الأول

التمييز بشكل غير مباشر

والتمييز قد يتم بشكل مباشر بنصوص قانونية واضحة الدلالة وقد يتم بطريق غير مباشر حين يغض النظر عنه القانون أو يخلق الأرضية لممارسته ولذلك فقد قضت المحكمة العليا الأمريكية في Griggs v. Duke Power Co. والتى تتلخص وقائعها في أن الشركة المدعى عليها والتى كانت تتبع خطة عنصرية في إستخدام الزنوج، قد إضطرت لترك ذلك بعد صدور قانون الحقوق المدنية لعام 1964،ولكنها أصبحت تتطلب شهادات دراسية عليا لوظائف لا تتطلب ذلك فقط لعلمها أن نسبة الحاصلين على تلك الشهادات بين الزنوج ضئيلة. حكمت المحكمة العليا بأن تطلب شروط لاصلة لها بالعمل المطلوب أداءه مع علم المخدم بأن تلك الشروط ستؤدي إلى تغليب حظ عنصر على عنصر هو في حقيقة الأمر إنتهاج لسياسة عنصرية في الإستخدام.

الفرع الثانى

القانون الغامض يؤدى للتمييز

وأهمية تحديد الفعل المُجرَّم لا تقتصرعلى عدم قدرة الخاضعين للقانون على معرفة ما يفترض أن لا يقوموا به بل أيضاً أيضاً حتى تعرف سلطات تنفيذ القانون ما يتوجب عليها ضبطه من أفعال دون أن تضفى ما تريد من معانى على القانون ،لأن غموض القانون يمنح قوات الضبط سلطة تحكمية تتيح لهم أن يحددوا لأنفسهم مايستوجب تدخلهم وهذه السلطة التحكمية غالباً ما يتم إستخدامها ضد الفئات الضعيفة من السكان ولذلك فإن القانون الغامض غالباً مايتم إستخدامه بشكل تمييزي وذلك يعود لأن القوانين التمييزية لا تخلق التمييز ،ولكنها تستجيب له فالتمييز والذى يقوم على تحيز غير مبرر ضد طائفة من السكان هو فى واقع الأمر نتاج ظروف إقتصادية إجتماعية وبالتالى فهو موجود لدى قوات الضبط ولدى القضاة فهؤلاء وأولئك غالباً ما يتم إختيارهم من القسم الأكثر حظاً من السكان وهم المستفيدون من التمييزوحتى من يتم إختيارهم من خارج ذلك القسم يضمن نظام الترقية وما يتيسر للمعينين منهم من التعليم والتأهيل بقاءهم فى الدرجات الدنيا من السلم الوظيفى. أضف لذلك أن التمييز فى واقع الأمر يقوم على ثقافة سائدة فى المجتمع تتأثر بها أيضا الأقسام التى يتم التمييز فى مواجهتهم ولا يعصم وجودهم فى تلك الأجهزة الأقسام المُميَّز ضدها من التمييز ليس فقط لتأثرهم بالثقافة السائدة فى المجتمع ككل بل أيضاً لتأثرهم بما هو سائد فى الأجهزة التى يعملون بها ولتمسكهم بالمناصب التى يشغلونها مما يجعلهم أكثر ملكية من الملك لكل تلك الأسباب تُفسر القوانين الغامضة بشكل تمييزى بواسطة الشرطة والقضاء. وهذا ما تكشف عنه التجربة العملية بالنسبة للمادة 152 فهي في مطلق عباراتها لاتفرق بين رجل وإمرأة ،ومع ذلك فإننا نعلم ان هذه المادة لا يتم إستخدامها في العادة إلا ضد النساء وكأن الرجال لا يمكن لهم ان يرتدوا زياً فاضحاً مع أننا نعلم جميعاً كيف يمكن أن تكون ملابس الجال مبرزة لما يتعين إخفاؤه من أجسادهم .إننا لا ندعو لترك الحبل على الغارب للناس لإظهار ما يرون إظهاره من أجسادهم ولكننا ندعو لتحديد ما لا يجوز إظهاره بشكل يعطى إنذاراً واضحاً لمن يختار أن يخالف القانون أنه فى الواقع يفعل ذلك وهذا من شأنه صيانة الحق فى المحاكمة العادلة ومنع المعاملة المتحيزة ضد الفئات الأضعف من السكان .إن تحديد معانى المادة من شانه أن يضع الرجال والنساء على قدم المساواة فلو نصت المادة مثلاً على انه لايجوز لشخص أن يظهر عارياً أو يرتدى ملابساً تبرز العورة بحيث يمكن للغير مشاهدته دون أن يكون فى رؤيتهم له خرق لحقه فى الخصوصية وعرفت العورة تعريفاً ناف للجهالة وهى فى تقديرنا تعنى الجهاز التناسلي والمؤخرة وحلمة المرأة ،لو نصت المادة على ذلك فإن إحتمال توجيه إتهام للنساء يتضاءل في حين أن إحتمال توجيه التهمة للرجال يتزايد فكلنا نعلم ان الجلباب الذى لايدعمه عراقى وسروال والذى كثيراً ما يرتديه الرجال هو فى واقع الأمر كاشفاً للعورة فى حين أنه لم يسمع أحد بأن أحد الرجال قد تم القبض عليه أو محاكمته بسبب ذلك.

الفرع الثالث

التمييز المباشر

تضمن قانون النظام العام عدداً من الأحكام التمييزية والتى هدفت للتمييز ضد النساء وتقييد حياتهن الإجتماعية وممارستهن لأعمالهن وفينا يلى أمثلة على ذلك.

أ – رقص النساء

تنص المادة 7 (1) على أنه (يجب على كل شخص حدد له تصديق حفل غنائي مراعاة الضوابط التالية :- وأحد هذه الضوابط ما نصت عليه الفقرة (ب) منها وهى (عدم السماح بالرقص المختلط بين النساء والرجال أو السماح برقص النساء أمام الرجال .)

وهذه المادة العقوبة على مخالفتها كسائر المخالفات الواردة في القانون قد تصل إلى السجن الذي لا يجاوز خمس سنوات أو الغرامة أو العقوبتين معاً او الجلد وهذا يمنع رقص النساء تماماً في الحفلات التي يحضرها الرجال حتى ولو رقصن مع بعضهن البعض لأن رقص النساء في حضور الرجال ممنوع ولما كانت اغلب المناسبات والحفلات العامة يحضرها الرجال فإن هذه المادة من شأنها في واقع الأمر منع رقص النساء في تلك المناسبات والحفلات وهذه المادة ليست فقط مخالفة للمنطق ولكنها أيضاً مخالفة لتقاليد هذا الشعب المسلم والذي يعرف الرقص المختلط في كافة أنحاء القطر.هذه المادة تفصح عن معاملة المرأة بإعتبارها مصدراً لغواية الرجل والمادة لا تحفل بشعورها هى فالرجال غير ممنوعين من الرقص فى حضرة النساء ولو كان الرقص فى حضور الجنس الآخر قد يقود للغواية ومن ثم الرذيلة فى نظر المشرع لكان الأولى به أن يمنع الرجال أيضاً من الرقص فى حضرة النساء أما ولم يفعل فإن منعه للنساء للرقص فى حضرة الرجال ينطوى على تمييزغير دستورى ضدهن ورغم وجود هذه المادة فنحن مازلنا نشاهد الرقص المختلط ورقص النساء مع بعضهن البعض في حضور الرجال بشكل عادى في المناسبات والحفلات الخاصة دون إستهجان من أحد وذلك لان تلك المادة مخالفة لفهم المجتمع للأخلاق العامة ومع ذلك فإنها موجودة في القانون وهذا يقود إلى ممارسة العنف ضد النساء إذا إختار شرطي ذلك فإذا دخلت شرطة النظام العام (أمن المجتمع ) اى حفل تصدح فيه موسيقى فإنهم لن يعودوا صفر اليدين من نساء مخالفات لتلك المادة وبقاء المادة كل هذه المدة دون أن يتوقف النساء عن الرقص فى الحفلات المختلطة يؤكد التطبيق الإنتقائى للقانون.

ب – أماكن تصفيف شعر النساء

لعل ما يلفت النظر هو أن هذه الذهنية لم تصل لمنع تصفيف شعر النساء رغم منعهن من إظهاره هل السبب فى ذلك أنها تعرف أن في ذلك العمل (تصفيف شعر النساء ) أرباحاً لايصح التغاضي عنها ؟ ربما فهذه الشوفينية الذكورية لم تنسى حقها في إمتلاك محال تصفيف شعر النساء فجاء نص المادة 15 من القانون كالتالي :- (1. يجوز للرجال إمتلاك محل لتصفيف شعر النساء وفقاً للشروط والضوابط التي تحددها السلطة المحلية المختصة .

2. في حالة منح الترخيص وفقاً لأحكام البند (1) من هذه المادة يجب ان يدار المحل بواسطة إمرأة )

والفقرة الثانية تتعلق بذهنية الغواية التى تتحوط ضد منح النساء فرصة غواية الرجال ولكن ما العمل ونحن بصدد محل لا يستطيع المشرع إقصاء النساء عنه؟ الحل هو قصره عليهن فمنع تواجد الرجال في تلك المحلات و تحوط لذلك بعدة تحوطات أدت لتحويل محلات تصفيف الشعر إلى قلاع محصنة ضد الرجال فتطلب أن يكون لتلك المحلات باب واحد و أن يكون ذلك الباب مطل على الشارع الرئيسى حتى لا يتسرب رجل من الباب الخلفى ، و يجب ألا يسمح ذلك الباب لمن بالخارج أن يعاين من بالداخل و مديرة المحل يجب أن لا يقل عمرها عن 35 سنة وهو عمر يفوق العمر المتطلب لعضوية الهيئة التشريعية ربما حتى لا يخدعها رجل فيدخل أو حتى يطل فقط لداخل المحل ولا يجوز إستخدام أي عاملة بالمحل إلا بعد التأكد من إستقامتها وحسن سيرها ربما لنفس السبب و إن كنت لا أدري كيف يتسنى التأكد من ذلك.

وذهب القانون بعد ذلك لإستباحة تلك المحلات فأجاز الدخول فيها في أي وقت بغرض التفتيش والتأكد من تطبيق أحكام هذا القانون. كيف يمكن تفسير هذا الحكم ؟ إن المعنى الوحيد أنه ليس للنساء حرمة فبعد أن أبعد القانون الرجال عن محل تصفيف الشعر رفع عنه أي حرمة متعلقة بالخصوصية فالأصل هو عدم تفتيش الأماكن إلا وفقاً لقواعد محددة موجودة في قانون الإجراءات الجنائية والذي ينص المادة 86 منه على ما يلى على :-

((1) ” يجوز لوكيل النيابة أو القاضي في وقت من تلقاء نفسه أو بناء على طلب من الجهة المختصة في أي دعوى جنائية، أن يصدر أمراً بإجراء التفتيش الخاص لأي مكان أو شخص، متى رأى أن ذلك يساعد في أغراض التحرى أو المحاكمة أو التنفيذ، بحسب الحال .

(2) يجوز للقاضي في أي وقت بناء على طلب من الجهة المختصة أن يصدر أمراً بإجراء التفتيش العام لأي أمكنة أو أشخاص، متى رأى أن ذلك يساعد في أغراض إكتشاف الجريمة .)

ورغم أن هذه القواعد لا تشكل حماية كافية لحق الخصوصية وهي بذلك مخالفة للدستور وحتى للشريعة الإسلامية إلا أن قانون النظام العام لم يشغل نفسه حتى بتلك القواعد غير الكافية بل ألغاها تماماً إذ لا حاجة للقوة التي تدخل في مكان تصفيف الشعر للحصول على إذن أو أمر بتفتيش المحل فهل هنالك بالداخل غير مجموعة من النسوة ؟ وهل لمثلهن حصانة ؟

الغريب بعد ذلك كله أن القانون لم يحفل بتنظيم أماكن تفصيل أزياء النساء كما إهتم بأماكن تصفيف شعرهن وبما لأنه ليس في تلك الاماكن أرباح تستدعي الإشتغال بها ولكنه رغم ذلك لم يترك الحبل على الغارب بل ترك أمرتنظيمها للمحليات فليس للكبار فيما يبدو وقت ليضيعونه في مسائل لا تحقق أرباحاً كافية رغم أن تفصيل الأزياء بمثل النظرة المنغلقة الذى يحملها المشرع تسمح بملامسة أجزاء أكثر من تلك الأجسام التى لم تُخلق إلا لغواية الرجل .

المبحث الرابع

معقولية القانون

بتصل منع التمييز بمبدأ معقولية القانون فجوهر مبدأ سيادة حكم القانون هو أن يمنع صدور القوانين بشكل تحكمي و هذا يتطلب أن يكون القانون معقولاً ، فصدور القانون يجب أن يكون بغرض تنظيم نشاط معين أو علاقة معينة بما يخدم المصلحة العامة،فسيادة القانون لا تعنى تسلط القانون، كما ولا تعنى تسلط السلطة التشريعية. لذلك فإن السلطة التشريعية مقيدة بوجوب أن يكون القانون معقولاً، ويعنى ذلك أمرين، الأول أن يكون هنالك سبباً معقولاً لإصدار القانون،والثاني أن تكون أحكام القانون تحقق الغرض من إصداره بصورة معقولة،والسبب في ذلك أن التشريع هو قيد على حرية الناس ولذلك فإنه يجد شرعيته فقط فى قبول الناس المسبق للرضوخ له، وهذا الرضا مقيد بالقيود والتي تراضوا عليها مع حكوماتهم في الدستور الذي يحكم الحاكمين والمحكومين على السواء، فأساس تطلب معقولية القانون هو أن رضا المحكومين يتطلب أن يعلموا أسباب ما يرضخون له من إجراءات أو قواعد وهذا يقتضي أن لا يكون لأي من السلطات العامة سلطة تحكمية .

الفرع الأول

معقولية الهدف ومعقولية الوسيلة

والقانون التحكمي هو القانون الذي لم يصدر لتحقيق هدف واضح يجوز للدولة أن تسعى لتحقيقه ،فإذا كان الهدف الذي تسعى الدولة لتحقيقه غير معقول فإن القانون نفسه يفقد أساس إصداره . جاء فى الصحف مؤخراً أن بعض الفتيات تم الحكم بجلدهن بواسطة أحد محاكم النظام لأنهن دخن الشيشة في فندق ما، وهو فعل يجرمه أحد الأوامر المحلية. السؤال هو ما هو السبب في التجريم هل التدخين له صلة بالذكورة أو الأنوثة؟ وهل تدخين الشيشة عمل أخلاقي بالنسبة للرجل وغير أخلاقي بالنسبة للمرأة؟

على أن مشروعية الهدف لا تكفى، فالقانون قد يكون تحكمياً رغم مشروعية الهدف من إصداره ،إذا كانت أحكامه لا تؤدي لتحقيق الغرض منه بشكل معقول، ومن ذلك مثلاً الحكم الوارد فى قانون النظام العام والذى يجعل من غسل العربات في غير الأماكن المخصصة لذلك جريمة معاقب عليها بالسجن والجلد والغرامة ،فتنظيم الأماكن العامة غرض مشروع للدولة أن تسعى لتحقيقه ،ولكن المبالغة فى العقاب تفقد القانون معقوليته بالإضافة لما فى عقوبة الجلد من حط للكرامة الإنسانية . والقانون التحكمي مصدره أهواء المشرع غير المبررة، سواء أكان ذلك يلحق بالهدف أم بالوسائل المستخدمة لتحقيقه، إذ لا يجوز تحقيق الهدف عن طريق التمييز ضد الفئات الأضعف من السكان فعندما تصدت الولاية لإزدحام مركز الخرطوم بالعربات، منعت الولاية المواصلات العامة من دخول مركز الخرطوم لمنع الإختناقات المرورية ، في حين لجأت معتمدية لندن لفض رسوم على العربات الخاصة التي تدخل إلى مركز لندن لتحقيق نفس الهدف، والوسيلة التي لجأت إليها معتمدية لندن لمنع عرقلة الحركة في مركز المدينة وسيلة معقولة تؤدي إلى تحقيق الغرض من الإجراء، لأن صاحب العربة الخاصة يمكنه إستخدام المواصلات العامة في حين أن الإجراء الذي إتخذته الولاية في الخرطوم وفقاً لسلطاتها بموجب قانون الحركة يفتقد المعقولية ،لقيامه على التمييز ضد الفئات الضعيفة لأنه يفرض على من لا عربة له أن يجوس في مركز الخرطوم راجلاً .

ومعيار المعقولية هو جزء من الفحص الدستوري تقوم به الهيئة القضائية بالنسبة لأعمال السلطتين التشريعية والتنفيذية ويكون بأن تسأل المحكمة نفسها هل الإجراء الحكومي (أو القانون) موضوع الفحص هو وسيلة معقولة لغرض مشروع يجب على السلطة المعنية أن تهدف لتحقيقه .

الفرع الثانى

التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي

كان تدخل المحكمة العليا الأمريكية لفحص معقولية القانون وثيق الصلة بالتعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي، وهو أحد التعديلات التي تلت الحرب الأهلية الأمريكية والتى هدفت لمنح العبيد السابقين حقوقاً متساوية مع باقي المواطنينن، وبذلك تم إلغاء حكم المحكمة العليا في دريد سكوت ضد ساندفورد ،والتى تتلخص وقائعها في أن سكوت تنقل مع سيده في عدد من الولايات ،وكان بعضها يمنع الرق وبعد وفاة السيد حاول سكوت أن يسترد حريته من أرملة سيده إلا أنها رفضت ذلك، فقام برفع دعوى في ولاية ميسوري يدعي فيها أن إنتقاله إلى الولايات التي تمنع الرق جعل منه مواطناً حراً،فبالتالي لايمكن أن يعود عبداً لمجرد إنتقاله بعد ذلك لولاية تعترف بالرق. أصدرت المحكمة العليا حكماً يعتبر الأسوأ في تاريخها ذكرت فيه أن الأفريقيين الذين حضروا للولايات المتحدة كعبيد وسلالاتهم سواءاً كانوا عبيداً أو أحراراً لايمكنهم أن يصبحوا من مواطني الولايات المتحدة ،وأن العبيد لايملكوا حق المقاضاة وأنهم يشكلون ملكية خاصة لايمكن أخذهم من مالكهم بدون التدابير المقبولة للقانون . كان هذا الحكم من الفظاعة بحيث أثار سخطاً كبيراً لدى القطاعات المؤثرة أدى فيما بعد لصدور التعديل الرابع عشر للدستور ، والذى جعل من كل من ولد في الولايات المتحدة أو إكتسب جنسية بعد الولادة مواطناً أمريكياً لايجوز التمييز ضده كما و أقر التعديل الحق في الحماية المتكافئة .إستندت إستخدمت المحكمة العليا على ذلك التعديل لمنع التمييز بين الناس ما لم يكن بسبب معقول، فمن المعلوم أن كثيراً من القوانين من شأنها أن تمنح مزايا لبعض الناس وتحرم غيرهم منها، فقانون حركة المرور مثلاً يمنع من لم يبلغ سن الواحد والعشرين عاماً من الحصول على رخصة قيادة ،وفي هذا تمييز ضد الذين تقل أعمارهم عن ذلك، ولكن السبب في ذلك هو حماية أرواح وممتلكات المواطنين، وعليه فإن الحظر ضد التمييز بين الناس يقتصر على حالة وجودهم في نفس الظروف الموضوعية .و حتى في غير ذلك فإنه قد تكون للدولة مصلحة مشروعة في التمييز،لذلك فقد وضعت المحكمة العليا معايير ثلاثة الأول هو أكثرها مرونة فلم تكن المحكمة العليا مستعدة لإبطال القوانين ما لم يتعلق الأمر بفئات تستحق الحماية ،ففي دعوى Railway Express عندما أصدرت ولاية نيويورك قانوناً يمنع العربات التجارية من وضع إعلانات تجارية ما لم تكن متصلة بعمل صاحبها ، رأت المحكمة العليا أن الهدف من القانون هو منع إفقاد السائقين للتركيز بشغلهم بالإعلانات وهو هدف مشروع، وأن التمييز بين الناس بسببه جائز لوجود مصلحة جوهرية للولاية تتحقق بالحكم الوارد في القانون.

ولكن عندما يتصل الأمر يالحقوق الأساسية فإن المحكمة العليا تتشدد فى تطلب المعقولية ففي سكينر ضد أوكلاهوما حين حوكم سكينر بالتعقيم وفقاً لقانون يجعل التعقيم عقوبة إضافية فى حالة الإدانة ثلاث مرات أو أكثر في جرائم لها الصلة بالأخلاق ، رأت المحكمة في القانون تمييزاً بين المجرمين لأن جريمة الإختلاس والتى يقوم بها المجرمين في الطبقات الأعلى إجتماعياً قد تم إستثناءها من القانون فذكرت المحكمة أن الولاية “لم تثبت وجود صفات وراثية مختلفة بين مرتكبي الإختلاس ومرتكبي جريمة السرقة العادية بحيث يبرر الأمر تعقيم فئة دون الأخرى، وبالتالي فإن مبدأ الحماية المتكافئة يبدو مجرد كلمات فارغة إذا سمحنا لمثل هذه الفوارغ الوهمية بأن تسود” كذلك أضافت المحكمة العليا أن القانون الذي يمنح سلطة التعقيم يجب أن يخضع لمراجعة دقيقة لخطورة مسألة التعقيم لكونها عقوبة نهائية لارجوع عنها بعد توقيعها وقد تقود إلى إذا إستُخدِمت إنتقائياً إلى إفناء أجناس معينة .

الفرع الثالث

التمييز بين فئات غير متكافئة

عندما تتصل المسألة بفئات غير متكافئة فإن على الحكومة أن تثبت أهمية مصلحة الدولة في تنظيم المسألة وأن التمييز تتطلبه مصلحة جوهرية ومشروعة للدولة ففى Pyre V. Doe أصدرت ولاية تكساس قانوناً يحرم أطفال الأجانب الموجودين في الولاية بصفة غير مشروعة من أموال الولاية المخصصة للتعليم، قررت المحكمة العليا أن أطفال الأجانب الموجودين بشكل غير شرعي في الولاية هم بشر يتمتعون بحماية التعديل الرابع عشر من الدستور، والذي يمنع التمييز ضدهم ما لم تكن للولاية مصلحة جوهرية تبرر ذلك ،وقد لاحظت المحكمة العليا أن أطفال المهاجرين غير الشرعيين في وضع لم يتسببوا فيه من حيث أنهم قد أُدْخِلوا إلى أمريكا بواسطة والديهم دون أن يكون لإرادتهم دخل في ذلك ولا يوجد سبباً منطقياً لحجب الحماية المفروضة بموجب التعديل الرابع عشر للدستور عن شخص بسبب الطريقة التي دخل بها إلى الدولة .

وفي دعوى City of Cleburne V Cleburne Living Center والتي رفعتها جمعية تتولى رعاية المتخلفين عقلياً ضد سلطات مدينة كليبيرن، لأنها رفضت منحها ترخيص لإستخدام مبنى لسكن لعدد من المتخلفين عقلياً ،وهو ترخيص خاص يتطلبه قانون يدخلهم ضمن الفئات المشبوهة التى يجب الحصول على تراخيص خاصة لسكنهم لأنهم قد يكونوا مصدر خطورة على جيرانهم ،رأت المحكمة العليا أن القانون ليس له سند عقلاني بعد أن طبقت عليه معيار الـThe rational basis review لأن تعبيرالمتخلفين عقلياً يشمل طائفة كبيرة من الناس تضم درجات مختلفة من القدرات العقلية، وضمهم جميعاً في حكم واحد مع التمييز ضدهم جميعاً بإعتبارهم طائفة مشبوهة، يفقدهم حقهم في التمتع بالحماية التي يضفيها عليهم التعديل الرابع عشر .

الفرع الرابع

نصوص تفتقد المعقولية

ولعل إرتباط التمييز بعدم المعقولية يظهر فى الفصل بين الرجال والنساء

والذى عمد له قانون النظام العام .تنص المادة 20 من القانون على مايلي :- ( على كل جهة تتعامل ويقتضي تعاملها إصطفاف المواطنين أن تفصل بين النساء والرجال وعلى الجمهور التقيد بذلك )

من المؤكد انه لايوجد أصلاً جهة يقوم تعاملها مع الآخرين على إصطفاف الناس ولكن إصطفاف الناس سببه طلبهم لسلعة او خدمة حين يتعذر تقديم تلك السلعة او الخدمة لكل العدد الذي يطلبها في نفس الوقت ،وهذه المسألة إذا تمت فقط بفصل الرجال عن النساء وتكوين صف مستقل لكل منهما قد تؤدي لتعطيل تقديم الخدمة متى ماكان هنالك إختلالاً في العدد بين النوعين، ولكن الاهم من ذلك كله لماذا يتوجب الفصل بين الرجال والنساء في الصفوف ألا يعكس ذلك فهماً متخلفاً للمرأة بإعتبارها مصدرغواية للرجال أو فريسة جنسية لهم وجودها على مقربة منهم يجب تفاديه؟ كم من الصفوف المختلطة وقف فيها كل منا دون ان يشعر بذلك ودون أن يحدث فيها أكثر من حصول كل شخص على مايطلب من خدمة او سلعة بحسب دوره في الصف؟

ولعل الأخطر من ذلك هو الفصل بينهما فى المركبات العامة فالمادة (9) من قانون النظام العام تلزم أصحاب البصات العامة بتخصيص أحد الأبواب وعشرة مقاعد للنساء وبالعدم تخصيص ربع المقاعد لهن.وتمنع المادة (9) تواجد النساء في المكان المخصص للرجال و تواجد الرجال في المكان المخصص للنساء وعاقب القانون على ذلك بالسجن والغرامة والجلد أو أياً منهم. لم يعرف القانون كلمة بص وهي كلمة عند العامة تعني العربة المخصصة لنقل الجمهور بشكل جماعي من مكان لآخر وفق خط محدد للسير ولا يوجد تحديد لحجم تلك العربات ولا سعتها في القانون وبالتالي فإن أغلبها لايستطيع تخصيص العشرة مقاعد للنساء ويعني عدم تخصيص تلك المقاعد ان تلزم بتخصيص ربع المقاعد للنساء وهى جريمة فهل يعقل هذا ؟ ويبدو إفتقاد القانون للمعقولية واضحاً من التحديد العشوائى لعدد عشرة مقاعد أو نسبة الربع فمن أين جاء القانون بذلك العدد هل قرر مجلس تشريعي الولاية ذلك العدد وهو على علم بأن تلك النسبة تمثل نسبة راكبى البصات من النساء إلى مجموع ركاب البصات العاملة في الخطوط الداخلية ؟ هل هنالك أصلاً إحصائية في بلد مازالت غير موقنه من عدد سكانها بعد ثلاثة عشر عاماً من صدور القانون ؟ إذا كان المجلس غير عالم بتلك النسب ومع ذلك فهو يقيد المقاعد المتاحة للنساء في البصات العامة هل يكشف ذلك عن أي إحترام للنساء أو حتى للعقول مجردة من حالتي الأنوثة والذكورة ؟ لا شك أن الفصل بين الجنسين في البصات مع وضع نسبة للنساء أقل بكثير من الرجال دون أن يكون ذلك متصلاً بأى إحصائية معلومة عن عدد الرجال الذين بستخدمون المواصلات العامة بالمقارنة مع النساء من شأنه أن يؤدي إلى عرقلة تحرك النساء ومنعهن من أداء عملهن وهو أمر من شأنه أن يميز ضدهن عن طريق تحديد عددهن فى المراكب العامة بشكل يفتقد المعقولية.

إن الفصل بين الرجال والنساء يذكرنا بنظرية منفصل ولكنه متساو separate but equal والذى تبنته المحكمة العليا الأمريكية في بليسى ضد فيرجسون إبان ردة قوانين جيم كرو ضد أحكام التعديل الرابع عشروهو الحكم الذى أجازت فيه المحكمة العليا القوانين التى تفرض الفصل بين السود والبيض فى المركبات العامة.

قد تبدو تلك الأحكام وكأنها تهدف إلى حماية المرأة من التحرش الجنسى للرجل ولكنها فى واقع الأمر تتعامل مع فعل شاذ بإعتباره الأمر الطبيعى فالتحرش الجنسى بالنساء هو فعل إجرامى يستحق من قام به عقوبة رادعة ويجب أن يعامل بإعتباره كذلك وليس بحسبان أنه أمر متوقع الوقوع كلما إجتمع الرجال بالنساء. إذا فالمعالجة التشريعية للتحرش بالنساء سواء أتم فى المواصلات أم فى ساحات العمل أو فى غيرها من المحلات التى يجتمع فيها الرجال والنساء لا يتم بالفصل بين الجنسين بل بعقاب الأفعال التى يرتكبها الجناة إستغلالاً لذلك. أما إقصاء النساء وقصر تواجدهن على أماكن محددة فهو بالإضافة لما يؤدى إليه من عرقلة آداء أعمالهن ينطوى على تقليل من شأنهن بالتعامل معهن كمجرد فريسات للقنص الجنسى.

نبيل أديب عبدالله

المحامى

القوانين

قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991 .

القانون الجنائى لعام 1991.

قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعام 1991.

قانون النظام العام لعام 1992 .

قانون النظام العام لعام 1996.

دستور جمهورية السودان الإنتقالى لعام 2005

العهود الدولية

الإعلان العالمى لحقوق الإنسان .

العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية.

الإعلان العالمي بشأن القضاء على العنف ضد المرأة والصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23/فبراير/1994م

سوابق القضائية

1 Humanitarian Law Project v. Ashcroft, 532 U.S. 904

2 COATES ET ALV . CITY OF CINCINNATI

402 U.S. 611 (1971)

\3 PAPACHRISTOU v. CITY OF JACKSONVILLE, U.S. Supreme Court 405 U.S. 15 (1972) 405 U.S. 15

– 4 Palmer v. City of Euclid, 402 U.S. 544 (1971)

5Griggs v. Duke Power Co. 401 U.S. 424 (1971)

6Railway Express Agency v. New York, 336 U.S. 106 (1949

7Skinner v. State of Oklahoma, ex. rel. Williamson, 316 U.S. 535 (1942),

8 City of Cleburne v. Cleburne Living Center, Inc., 473 U.S. 432 (1985),

9 DRED SCOTT v. SANDFORD, 60 U.S. 393 (1856)

10 Plessy v. Ferguson, 163 U.S. 537 (1896),

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s